فخر الدين الرازي
10
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ [ الرعد : 33 ] وقال : شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ [ آل عمران : 18 ] إلى قوله قائِماً بِالْقِسْطِ وقال : إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ [ فاطر : 41 ] وهذا القول يرجع حاصله إلى كونه مقوماً لغيره ، وقال الضحاك : القيوم الدائم الوجود الذي يمتنع عليه التغير ، وأقول : هذا القول يرجع معناه إلى كونه قائما بنفسه في ذاته وفي وجوده ، وقال بعضهم : القيوم الذي لا ينام بالسريانية ، وهذا القول بعيد ، لأنه يصير قوله لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ . أما قوله تعالى : لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ ففيه مسائل : المسألة الأولى : السنة ما يتقدم من الفتور الذي يسمى النعاس . فإن قيل : إذ كانت السنة عبارة عن مقدمة النوم ، فإذا قال : لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ فقد دل ذلك على أنه لا يأخذه نوم بطريق الأولى ، وكان ذكر النوم تكريراً . قلنا : تقدير الآية : لا تأخذه سنة فضلًا عن أن يأخذه النوم . المسألة الثانية : الدليل العقلي دل على أن النوم والسهو والغفلة محالات على اللّه تعالى ، لأن هذه الأشياء ، إما أن تكون عبارات عن عدم العلم ، أو عن أضداد العلم ، وعلى التقديرين فجواز طريانها يقتضي جواز زوال علم اللّه تعالى ، فلو كان كذلك لكانت ذاته تعالى بحيث يصح أن يكون عالماً ، ويصح أن لا يكون عالماً ، فحينئذ يفتقر حصول صفة العلم له إلى الفاعل ، والكلام فيه كما في الأول والتسلسل محال فلا بد وأن ينتهي إلى من يكون علمه صفة واجبة الثبوت ممتنعة الزوال ، / وإذا كان كذلك كان النوم والغفلة والسهو عليه محالا . المسألة الثالثة : يروى عن الرسول صلى اللّه عليه وسلم أنه حكي عن موسى عليه السلام أنه وقع في نفسه : هل ينام اللّه تعالى أم لا ، فأرسل اللّه إليه ملكاً فأرقه ثلاثا ، ثم أعطاه قارورتين في كل يد واحدة ، وأمره بالاحتفاظ بهما ، وكان يتحرز بجهده إلى أن نام في آخر الأمر فاصطفقت يداه فانكسرت القارورتان ، فضرب اللّه تعالى ذلك مثلًا له في بيان أنه لو كان ينام لم يقدر على حفظ السماوات والأرض . واعلم أن مثل هذا لا يمكن نسبته إلى موسى عليه السلام ، فإن من جوز النوم على اللّه أو كان شاكاً في جوازه كان كافراً ، فكيف يجوز نسبة هذا إلى موسى ، بل إن صحت الرواية ، . فالواجب نسبة هذا السؤال إلى جهال قومه . أما قوله تعالى : لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ فالمراد من هذه الإضافة إضافة الخلق والملك ، وتقديره ما ذكرنا من أنه لما كان واجب الوجود واحداً كان ما عداه ممكن الوجود لذاته وكل ممكن فله مؤثر ، وكل ما له مؤثر فهو محدث فإذن كل ما سواه فهو محدث بإحداثه مبدع بإبداعه فكانت هذه الإضافة إضافة الملك والإيجاد . فإن قيل : لم قال : لَهُ ما فِي السَّماواتِ ولم يقل : له من في السماوات ؟ . قلنا : لما كان المراد إضافة ما سواه إليه بالمخلوقية ، وكان الغالب عليه ما لا يعقل أجرى الغالب مجرى الكل فعبر عنه بلفظ ما وأيضاً فهذه الأشياء إنما أسندت إليه من حيث إنها مخلوقة ، وهي من حيث إنها